كريم نجيب الأغر

298

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

قال ابن عاشور : « قوله تعالى : مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ صفة مُضْغَةٍ ، وذلك تطور من تطورات المضغة . . . وإذ قد جعلت المضغة من مبادئ الخلق ، تعيّن أن كلا الوصفين لازمان للمضغة » « 1 » ، وهذه الصفات صفات خلق ، وإذا أردنا أن نفهم معنى هذه الآية فلا بدّ لنا أن نشير إلى المعنى الثاني لكلمة « مخلّقة » . جاء في لسان العرب « 2 » : « خلق : . . . ورجل خليق بيّن الخلق تامّ الخلق معتدل » ، وورد في تفسير القرطبي : « قال ابن الأعرابي : مخلّقة قد بدأ خلقها وغير مخلّقة التي لم تصوّر بعد » . إذا كلمة « خلق » تأتي بمعنيين : الأول بمعنى إحداث الشيء من العدم ، والثاني بمعنى إتمام خلق الشيء ( وبالتالي بإتمام صورة الشيء ) . وهذا يعني أن المضغة المخلّقة وغير المخلّقة تعني مضغة تخلقت جزئيا ، ولكن لم يكتمل تخلقها أو صورتها بعد . فالمضغة تظهر للعيان كما قلنا على شكل فلقات ، ولا تتمايز الفلقات في البداية ، ولكنها سرعان ما تتمايز إلى خلايا تتطور إلى أعضاء مختلفة ، وبعض هذه الأعضاء تتكون في مرحلة المضغة ، والبعض الآخر في مراحل لاحقة . أما الأعضاء التي تتكون في هذه المرحلة فهي تظهر على شكل براعم وهي غير مكتملة بعد : فعلى سبيل المثال : يوجد القلب والدماغ البدائي والكبد ، ولكن لا يكتمل نموها أثناء هذه الفترة ، كما تظهر بداية الأيدي والأرجل في الأسبوع الثالث أو الرابع ، وتتطور تلك إلى أن تظهر وكأنها مبتورة ، ومن ثمّ تظهر الأصابع على شكل إشعاعات في الكف في نهاية مرحلة المضغة ، إلى ذلك فإن الهيكل البدائي للعينين ( الكأس البصري الناشئ من الحويصلة العينية ) والأذنين ( الأذن الداخلية الناشئة من الحويصلة الأذنية ) يتكوّن قبل نهاية الأسبوع السادس ، ولكنّ كلا من العينين والأذنين لا يتشكّل إلّا لاحقا ، فتلك الأعضاء تكون في صورة أولية من مراحل تخلقها وهي لا تعمل ولا تشبه أعضاء الإنسان في مرحلة المضغة . ( انظر الصورة رقم : 91 ) .

--> - ومما يدعّم موقفنا هو الحقائق العلمية التي تتلاءم مع المعاني التي رجحناها ، وهي أن النطفة قد تتعرض للسقط عند سقوطها أو فور استقرارها في الرّحم ، أي أنها ستتوقف عن التخلق في حال تعرّضت للسقط ، أو ستتشكل في حال استمرار الحمل ، وأن أعضاء المضغة ستتخلّق جزئيا في طور المضغة ، ولكن لن يكتمل نموها فيه . ( 1 ) التحرير والتنوير - للطاهر بن عاشور - ( ج 8 / ص 198 ) . ( 2 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « خلق » - ( ج 4 / ص 193 ) .